التعليم والتنمية.. الهَمُ الجوهري

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

التعليم والتنمية.. الهَمُ الجوهري

مُساهمة  ibntaiba في الإثنين نوفمبر 03, 2008 12:07 am

التعليم الجامعي مرتبط ارتباطا وثيقا بالتنمية، سواء كانت تنمية إنتاجية أو تنمية خدمية أو تنمية جمالية وثقافية.
فلسفة التنمية هي إفراز اجتماعي تقوم على رعايته الدولة.. هذه الرعاية يمكن أن تكون في الحماية التشريعية، ويمكن أن تمتد لتسهم الدولة في العملية التنموية.
في ظل الهيمنة الغربية الشهيرة بالعولمة اضطربت منظومة التنمية اضطرابا شديدا، وفقد التعليم أمه الرءوم، وأصبح تائها يتلفت ذات اليمين وذات اليسار، وليس الأمر خاصا فقط بالتنمية الإنتاجية، وإنما بدأ يمتد للتنمية الخدمية والثقافية.
إذن فالمنظومة التعليمية الجامعية محكومة بالوضع التنموي السائد في الدولة. ومن ثم بدأت تنضب المشاريع البحثية التي كانت تأتي إلى الجامعة سعيا، فينشط حولها الأساتذة وتلاميذهم، وتمتلئ الجامعة بالحيوية والنشاط الذي يؤثر على العملية التعليمية جميعها.
نضبت هذه المشاريع؛ لأن العولمة استأثرت بكثير منها، وحملتها إلى مكان بعيد لتسهم في تنمية بلاد أخرى.
وبالطبع العولمة لا تعمل منفردة، وإنما لها قرينة شمطاء هي القابلية للعولمة (استعرنا تعبير مالك بن بني: الاستعمار والقابلية للاستعمار).
والقابلية للعولمة هي الترجمة الحرفية للدناءة والخسة وحب الدنيا وكراهية الموت.
انظر مثلا لقضية إنشاء المعامل في مراحل التعليم المختلفة ومنها الجامعات. المفروض أن إنشاء المعامل هو تدريب بسيط يشترك فيه الأساتذة مع طلابهم في وجود تمويل لشراء بعض الأجهزة الخاصة والمكونات الإليكترونية والميكانيكية، ولكن الذي يحدث عندنا هو أن يفاجئ المسئولون في الأقسام والكليات بوجود تمويل للمعامل لا بد أن ينفق في خلال شهر من تاريخه، وخاصة أن التمويل قرض من البنك الدولي.
ومع ظهور القرض يظهر في الأفق رءوس الوكلاء التجاريين الذين أسميهم "الثموديون الجدد" عاقرو ناقة التنمية. وخلال الشهر توضع المواصفات التي تناسب شركات الوكلاء التجاريين، ويذهب القرض في معامل تصنع في بدرومات الدول الكبيرة بشركات تتكون من حفنة من المهندسين، حتى الهند دخلت هذا المضمار، وأصبحنا نستورد معامل للثانوي والابتدائي من الهند.. كيف يحدث هذا؟! هذا مثال جيد نتتبع فيه أخطائنا...
أولا لا شيء ينشئ نفسه من العدم، نحتاج أولا لدراسات عن أنواع المعامل المختلفة، وتجارب الشعوب من قبلنا، وارتباط ذلك بالعملية التعليمية، وإي ظاهرة طبيعية يحللها هذا الجهاز ومجموعة التجارب المرتبطة به، وبالطبع الظاهرة نفسها نتدرج في فهمها وقياسها بتجارب بسيطة وأجهزة بسيطة، إلى تجارب معقدة بأجهزة متقدمة (مثال ظاهرة الطفو). إن إنشاء الأجهزة وتصنيعها يصبح بعد ذلك أمرا سهلا إذا أعددنا التمويل المناسب، وأعطينا الوقت المناسب لعملية التطوير التي تأخذ وقتا معلوما؛ فإذا فرغنا من التطوير وأنجزنا عينة أولية أعطينا ذلك لبعض المصانع أو الورش لإتمام عمليات التصنيع.
كل ذلك يحتاج لمنظومة بشرية مرتبطة بالمجلس الأعلى للجامعات مثلا. إن هذه المنظومة البشرية لن تنظر فقط فيما أسلفنا، ولكن ستنظر في السوق العربية والإفريقية، وربما العالمية لتوزيع المعامل المبتكرة والمصنوعة بأيدينا.
نخلص مما سبق أن التعليم العالي مرتبط ارتباطا وثيقا بمنظومة التنمية في الدولة، وأن مشاركته فيها بقسط معقول في البحث والتطوير هو فرض عين على الدولة؛ ولذلك ينبغي ألا تكون هذه المهمة غائمة مائعة، إنما ينبغي أن يكون لها في الدولة جهاز راصد، يرصد توجهات الدولة التنموية، ويحدد قدر مشاركة الجامعة في كل ما تقدر عليه، ويفرض ذلك على الداخل والخارج. وأنا أسأل: لو فعلنا هذا في مشروعات الفضاء الكبرى (نايل سات 221) وطلبنا من الجهات الفرنسية مشاركة فعالة للجامعة المصرية على الصناعة الوطنية في الاطلاع ببعض المهام البحثية.. لو فعلنا ذلك لحققنا عائدا وطنيا ضخما يقدر بمئات الملايين.
وأختتم بملاحظة هامة حول الأعداد في التعليم الجامعي وعلاقة ذلك بالتنمية:
في الثمانينات كنت في زيارة لسويسرا، وكان في انتظاري في المطار أخي الأكبر العلامة محمد منصور عميد كلية الهندسة الإلكترونية بجامعة زيوريخ (IETH)، وأخذني الدكتور منصور لنركب الترام من المطار لبيته، وفي انتظارنا القصير للترام أقبل صديق له فسلم عليه وعرفني به..
إنه وزير التعليم في سويسرا، وكان هو الآخر سيستقل الترام لمقصده. وبعد أن مضى الرجل سألت الدكتور منصور: هل هذا الوزير مغضوب عليه؟ فضحك منصور وقال: أنت تفكر بعقلية مختلفة. المهم تضاحكنا وحكينا بعض القصص التي تعرفونها جميعا، ثم دار حديث حول التعليم، أخبرني منصور بهيكلية الأعداء في التعليم السويسري، قال: يدخل إلى التعليم كل الأطفال، وبعد المرحلة الابتدائية والإعدادية يتوجه 90% للتعليم الحرفي، بينما يتوجه 10% للتعليم الثانوي. وبعد الثانوية العامة يتوجه قليل من الـ10% للتعليم الجامعي بينما يتوجه الباقون التعليم الفني. والتعليم هناك من أوله حتى نهايته مرتبط بمنظومة الأعمال التي نشأت عن منظومة التنمية في سويسرا.
ولكن في مصر يريد الناس أن يحشروا أبناءهم في الجامعة؛ ليخرجوا منها إلى الشارع يبحثون إن كانت مؤهلاتهم تصلح لشيء مما هو مطلوب، بينما المهن والحرف التي ينبغي أن يتجه إليها أكثر من 90% لا تجد من يعملها ولا من يقبل عليها.
وهكذا وجدت الجامعة نفسها بين سندان الانفجار السكاني ومطرقة العجز عن أن تنشئ الدولة من المؤسسات التعليمية ما يتسق مع منظومة التنمية، إن كانت هناك منظومة للتنمية!! وحشر في الجامعة المتردية والنطيحة وما أكل السبع، مع شيء من ذكاء قليل.
هذا هو هم الجامعة الثقيل، وكل هم آخر نشأ معه، ولن يستطيع وزير وحده أن يزيح هذا الهم، إن الأمر يحتاج إلى فكر على مستوى الدولة ككل، ويحتاج إلى إرادة سياسية من قبل الدولة يترجمها الوزير وإخوانه بعد ذلك إلى خطط وميزانيات.
وأخيرا.. أشهد الله وأشهدكم أننا في كلية الهندسة جامعة القاهرة وخاصة في قسم الطيران حاولنا وما زلنا نحاول أن نحتال حول الضعف العام بجهود فردية، كان همها الأول هو أن نلبي مطالب التنمية الآتية والمتوقعة، والحمد لله رب العالمين وجدت المصانع المصرية والهيئات القومية في خريج قسم الطيران "الغوث والمدد"، ووجد الجيش في أبنائه الذين درسوا فيه دراساتهم العليا نعم الشباب.
إن البذرة المباركة التي وصفها شيخ هندسة الطيران في مصر والعالم العربي إبراهيم أدهم الدمرداش -عليه رحمة الله قد- آتت أكلها بإذن ربها وبجهود أبناء القسم منذ عام 1938م وحتى الآن، وإني أحسب أنه بقدر من الثقة في النفس والاعتماد على الله على مستوى الدولة والجامعة يمكن إصلاح أوجه الخلل القائمة في العملية التعليمية بسهولة ويسر، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
[left]أ.د. سيد دسوقي حسن
هندسة الطيران والفضاء – جامعة القاهرة
2/11/2001

ibntaiba

عدد المساهمات : 151
تاريخ التسجيل : 31/10/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

شكرا إبن طيبة

مُساهمة  Admin في الخميس نوفمبر 06, 2008 1:31 pm

شكرا جزيلا على هذا الموضوع القيم الموجه خاصة الى أسرة التربية و التعليم و الى الأولياء عامة لإدراك خطور ة التوجيه المدرسي
و للمزيد من مواضيع المفكر الكبير سيد حسن دسوقي إليكم هذا الرابط

إضغط هنا

Admin
Admin

عدد المساهمات : 302
تاريخ التسجيل : 31/10/2008

http://taouiala.almountadayat.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى