القدس بين احتلالين.. صليبي وصهيوني

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

القدس بين احتلالين.. صليبي وصهيوني

مُساهمة  Admin في الجمعة يناير 23, 2009 10:47 pm



بقلم: الشيخ كمال خطيب

يوم الأحد الماضي 15 تموز، كان اليوم الذي سقطت فيه مدينة القدس أسيرة بأيدي الصليبيين من أهل أوروبا في العام 1099، بعد حصار دام أربعين يوما.

نعم؛ من يوم الخامس عشر من تموز1099م، وحتى السابع والعشرين من رجب عام 583 هـ الموافق 2/10/1187 وطوال 88 سنة، والقدس والمسجد الأقصى المبارك تحت قبضة الاحتلال الصليبي.

بداية فإنني أعلم أن من الناس من يسخط ويتذمر لاستعمالي مصطلح الصليبية والصليبيين لأنّ هؤلاء يعتبرون هذه مصطلحات طائفية.

لهؤلاء أقول، إن رضاهم وسخطهم لن يغير من حقيقة هذا المصطلح التاريخي وتلك الحقبة التاريخية، التي لا تعرف إلا بهذا التعريف -حتى عند المؤرخين الغربيين- وما ذلك إلا لأن تلك الحملات وتلك الحروب قد كان لها طابع ديني بارز وكان الصليب هو شارتها، حيث كان البابا أوربان الثاني يعلق صليبا على الكتف الأيمن لكل من يتطوع لهذه الحرب.. هذه الحرب التي دعا اليها البابا أوربان الثاني في مؤتمر كليرمونت عام 1095م، والذي حضره معظم ملوك وأمراء أوروبا تحت شعار إنقاذ قبر المسيح وإنقاذ بيت المقدس من أيدي المسلمين الذين زعم أنهم يعاملون الحجاج النصارى بقسوة. وفي ذلك المؤتمر أعلن البابا غفران ذنوب المخطئين من المتطوعين وضمان دخول من يموت منهم في جنات النعيم (صكوك الغفران).

ومن المفارقات العجيبة أن اليوم الذي بدأ فيه حصار الصليبيين للقدس واحتلالها (7/6/1099)، كان هو اليوم نفسه الذي فيه سقطت القدس بيد الاحتلال الصهيوني (7/6/1967).

وقبل الحديث في وقائع يوم دخول الجيوش الصليبية إلى القدس والمسجد الأقصى، فلا بد من الإشارة إلى أن القدس في تلك الأيام كانت خاضعة لسلطة الدولة الفاطمية (الشيعية) في مصر حيث كان السلطان يومها هو المستعلي بالله وقائد الجيوش المصرية الفاطمية هو الأفضل بدر الدين الجمالي وأمير القدس يومها كان يدعى افتخار الدولة.

وكيف تعكس هذه الأسماء حقيقة أصحابها والتاريخ يروي كيف قام حاكم القدس الشيعي افتخار الدولة بتسليمها وإبرام صفقة مع الأمراء الصليبيين (جودمري و ريموند و تنكرد)، يتم بموجبها انسحاب افتخار الدولة من القدس مع حراسه الخاصين مقابل مبلغ كبير من المال يدفعه الأمير ريموند. ثم انحاز افتخار الدولة بعد خروجه إلى عسقلان، حيث كانت حامية الفاطميين هناك.

نعم، إنه التسليم بلا قتال من قبل افتخار الدولة الذي لم يظلمه الأستاذ محمد حسن شراب في كتابه «بيت المقدس والمسجد الأقصى» لما سماه «عار الأمة» بدل «افتخار الدولة» قائلا: «وما حياتك يا عار الأمة بعد أن مرغت شرف الأمة بالتراب وأسلمت قدسها للأعداء، فهلا جردت الحامية العسقلانية التي هي على مرمى حجر من القدس وكررت على الأعداء وفزت بالشهادة؟!».

فهل يختلف موقف عار الأمة الفاطمي -الذي سلم القدس بلا قتال ليندفع بعدها الجنود الصليبيون إلى قلب القدس والمسجد الأقصى خصوصا ويرفعوا الصليب فوق قبة الصخرة والمسجد الأقصى المبارك- عن موقف أكثر من خزي للدولة وعار للأمة في عصرنا الحديث ممن فتحوا أبواب القدس للصهاينة يوم 7/6/1967، ليندفع جنودهم مباشرة إلى قلب القدس والمسجد الأقصى وليرفعوا أعلامهم في عاليهما، فما أشبه الليلة بالبارحة!

أما أهل المدينة من المسلمين ومعهم قلة من اليهود، فقد دخلوا إلى المسجد الأقصى المبارك ورفعوا على المسجد علم الأمير الصليبي تنكرد، ظانّين أن في هذا سببا من أسباب الحماية لهم وما علموا أن صباح الجمعة 15 تموز 1099، سيشهد اقتحام ساحات المسجد الأقصى المبارك لتقع هناك مجزرة رهيبة قتل فيها الصليبيون ما زاد على سبعين ألفا من المسلمين الذين التجأوا إلى المسجد المبارك.

ويقول المؤرخ «لاندي» واصفا المجزرة التي ارتكبها ريموند بحق المسلمين في المسجد الأقصى: «كنت تشاهد أكواما من الرؤوس والأيدي والأقدام في الشوارع والميادين، وكان من المستحيل النظر إلى تلك الأعداد الهائلة المذبوحة وقد كانت الأشلاء البشرية ملقاة في كل مكان وقد غطت دماء المذبوحين الأرض».

أما المؤرخ «ول يورانت» في كتابه «قصة الحضارة»، فيقول: «إن النساء المسلمات كن يقتلن طعنا بالسيوف والحراب، والأطفال الرضع يخطفون من أحضان أمهاتهم ويقذف بهم من فوق الأسوار أو تهشم رؤوسهم بدقها بالعمد».

وأما المؤرخ «جورسيه» فيقول: «إن تلك الواقعة لطخة في تاريخ الصليبيين كما أنها جعلت كل من يذكرها يقشعر بدنه فزعا واشمئزازا منها».

وذكر الأخوان الخوري أنه «أمر الصليبيون الأشخاص الذين بقوا أحياء من المسلمين أن يجمعوا جثث موتاهم أكواما ويحرقوها بالنار، وبعد ذلك قتلوا هؤلاء جميعا. وهي قسوة يتبرأ منها الدين المسيحي الذي يزعمون أنهم جاؤوا لنصرته، فضلا عن أنها جعلت روح المعاداة والانتقام تتأصل في قلوب المسلمين ضد مسيحيي البلاد التعساء فيسببون ضررا عظيما لهم لم يكن أخف وطأة من ضرر سلوك الروم، فلو سلم مسيحيو هذه البلاد من هجمات الروم المتواترة وغزوات الصليبيين المتعددة وفظائع أولئك وهؤلاء بمسلمي البلاد لعاشوا إلى جانب إخوانهم المسلمين عيشة راضية لا يتخللها نكد ولا كدر».

ولبيان بشاعة ووحشية الصليبيين من أهل أوروبا يومها وما فعلوه في المسجد الأقصى المبارك، فيكفي أن نقرأ فقرة من رسالة التهنئة التي بعث بها الأمير ريموند إلى البابا في روما يهنئه فيها بفتح القدس وذبح المسلمين فيقول: «إذا أردت إن تعلم ما جرى لأعدائنا في القدس فإن خيلنا كانت تغوص في بحر من دماء المسلمين إلى ركبها».

يتبع...


عدل سابقا من قبل Admin في الجمعة يناير 23, 2009 10:53 pm عدل 2 مرات
avatar
Admin
Admin

عدد المساهمات : 302
تاريخ التسجيل : 31/10/2008

http://taouiala.almountadayat.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

تابع

مُساهمة  Admin في الجمعة يناير 23, 2009 10:47 pm

ولا يمكن حصر المؤرّخين من المسيحيين والغربيين الذين ذكروا وبينّوا كيف نهب الصليبيون كنوز المسجد الأقصى وموجوداته.. فقد سرقوا منه أكثر من مائة وخمسين قنديلاً، منها أربعون قنديلاً من الفضة ثمن كل قنديل ثلاثة آلاف وستمائة درهم، وخمس وعشرون قنديلاً من الذهب، وسرقوا كذلك تنوراً من الفضة. وحوّلوا قبّة الصخرة إلى كنيسة، وبنوا على الصخرة مذبحاً وسمّوه «هيكل السيد العظيم».

أمّا المؤرّخ الفلسطيني عارف العارف فيقول: «إنّ الإفرنج لم يغيروا شيئاً من بناء مسجد الصخرة، سوى أنّهم قلبوه إلى كنيسة ووضعوا فيه الصور والتماثيل، وأنشأوا على الصخرة مذبحاً، كما أنشأوا حول الصخرة سياجاً من الحديد المشتبك، وكسوا الصخرة نفسها بالرخام، ونصبوا فوق القبّة صليباً كبيراً».

أما المسجد الأقصى نفسه فقد غيروا الكثير من معالمه، كما يقول الأستاذ محمد حسن شُراب في كتابه، والأستاذ الدكتور حسن خاطر في موسوعته «القدس والمسجد الأقصى»: « أمّا بالنسبة لمبنى المسجد الأقصى فقد استعملوه لأغراض عسكرية ودينية ودنيوية، فاتخذوا قسماً منه مسكناً لفرسان الهيكل، وأضافوا إليه من الناحية الغربية على طول حائط المسجد القبلي صفاً مزدوجاً من القناطر المعقودة، وجعلوه مستودعاً لأسلحتهم، وحوّلوا الأقصى القديم الذي يقع تحت المسجد الأقصى والمعروف اليوم باسم «المصلّى المرواني» والأقصى القديم اصطبلاً للخيول، وتوجد في أعمدة هذه المباني حلقات وثقوب يعتقد أنّها تعود لتلك الفترة، ولم يعد يُسمح للمسلمين في الأماكن المجاورة للقدس من الدخول والصلاة في المسجد الأقصى، وما يزال إلى اليوم يوجد في ساحة المسجد الأقصى مجموعة من الأعمدة يخلو طرفها العلوي من أي نقش من النقوش، ويرجع ذلك إلى زمن صلاح الدين الأيوبي، الذي قطع رؤوس تلك الأعمدة عند تحريره القدس بسبب وجود نقوش صليبية وشعارات الصليب عليها، وهي ما زالت موجودة إلى يومنا هذا».

لعلّ ما ذكره هؤلاء المؤرّخون في بيان فظاعة وبشاعة وهمجية الاحتلال الصليبي الأوروبي للقدس والمسجد الأقصى المبارك إنّما يؤكّد بوضوح وجلاء الحقد الدفين، والذي كانت دوافعه دينية أيديولوجية، والذي كان يكمن في صدور أولئك الغزاة. وما من شكّ أنّ للتعبئة الدينية والروحية التي كان يقف على رأسها الأمراء والنبلاء وبشكل خاص البابوات في روما، والدور البارز الذي لعبه القسّيس بطرس الناسك.. كل هذه العناصر خلقت حالة وسلوكاً دموياً تُرجم عبر المجزرة الرهيبة التي وقعت في المسجد الأقصى المبارك يوم احتلاله في 15/7/1099.

وإذا كان البعض يظنّ أنّ ما حصل قبل تسعمائة عام كان بسبب ظروف آنية وأسباب تتعلّق بالمرحلة فإنّه يكون على خطأ عظيم، لأنّ ما يحصل في هذه الأيّام في علاقة العالم الغربي وعلى رأسه أمريكا مع العالم الاسلامي، إنّما يؤكّد أنّ تغيير الأشخاص والأسماء والوجوه والأماكن لم يغيّر من حقيقة وجود هذه الروح الصليبية الحاقدة، التي ما تزال تسري، والتي تبرز هذه الأيام عبر ما قاله الإمبراطور جورج بوش الثاني، وإعلانه عن بداية «حرب الصليب» كما سمّاها هو بعد حادث 11/9/2001، في نيويورك وعبر احتلال أمريكا للعراق وتدميرها لبغداد - عاصمة الخلافة الإسلامية لمئات السنين.. ولعلّ سلسلة الإساءات والكتابات والرسومات والتصريحات المهينة للرسول صلى الله عليه وسلم إنّما هي ضمن تلك الروح التي تسري في العالم الغربي، وكان أبرزها تصريحات البابا الجديد - بنديكت السادس عشر في محاضرته في ألمانيا في شهر أيلول من عام 2006، والتي زعم فيها أنّ رسالة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم كانت رسالة دموية، وأنّ الرسول محمد صلى الله عليه وسلم لم يورث للبشرية شيئاً يفتخر به.

ولعل المقام لا يتسع للحديث والمقارنة بين سلوك الصليبيين من أهل أوروبا إزاء المسلمين في المسجد الأقصى المبارك، و حسن الخلق الذي قابلهم به صلاح الدين الأيوبي في المكان نفسه يوم حرر القدس منهم بعد 88 سنة من احتلالها. إنّها المواقف التي تبرز الفارق بين منهج القائد العظيم الفاتح وبين أولئك الغزاة الذين جاؤوا من وراء البحار يسفكون الدماء ويفسدون في الأرض باسم الصليب وباسم السيد المسيح رسول المحبّة والسلام. ولعلّنا نستهلّ ببعض ما قاله بعض المؤرّخين من أهل أوروبا أنفسهم عن ذلك الفارق بيننا وبينهم..

لقد حاصر الصليبيون القدس والمسجد الأقصى يوم 7/6/1099 ودخلوها يوم 15/7/1099، وفعلوا فيها الأفاعيل، لكنّهم عادوا وطردوا منها، وعادت القدس إلى حضن الأمّة الإسلامية، ولو كان ذلك بعد 88 سنة من الاحتلال، وكانت هذه المرة الأولى التي يضعف فيها الحضور الإسلامي في القدس وسيادته عليها.

ثم كانت المرة الثانية التي احتلّ فيها اليهود القدس والمسجد الأقصى يوم 7/6/1967، وها هي ما تزال تحت الاحتلال منذ أربعين سنة، والسيادة والنفوذ الإسلامي فيها ضعيفان، بل وتسعى «إسرائيل» لطمس هويتها ومعالمها الإسلامية، وتعمل على تهويدها ليلاً ونهاراً.

ويظل السؤال: هل ستظلّ القدس فعلاً عاصمة «إسرائيل» الأبدية كما يحلو للقادة الإسرائيليين أن يصرّحوا دائماً أم أنّ لهذا الاحتلال الصهيوني للقدس نهاية مثل نهاية الاحتلال الصليبي؟! وإذا كان الاحتلال الأول قد مضى ورحل عن القدس فهل سيرحل عنها الاحتلال الثاني؟! صحيح أنّ هذا السؤال يترك جوابه للأيام، ولكنني أعرف الجواب وأجزم به.. إنّ هذا الاحتلال سينتهي عن القدس وستعود القدس إلى أحضان الأمّة الإسلامية، لا لتكون مدينة مثل القاهرة وبغداد ودمشق والرياض، بل لتكون عاصمة دولة الخلافة الراشدة القادمة بإذن الله، وهذا يقين ووعدٌ لن يُخلف.
السنوات القليلة القادمة هي التي ستروي مَن مِن أصحاب القناعتين على صواب!!، الصليبيون رحلوا، والصهاينة سيرحلون وستبقى القدس إسلامية عربية فلسطينية.


* نائب رئيس الحركة الإسلامية في مناطق الـ 48
avatar
Admin
Admin

عدد المساهمات : 302
تاريخ التسجيل : 31/10/2008

http://taouiala.almountadayat.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى